استعرض الكاتب بيزاويت إيشيتو، الباحث في موقع «هورن ريفيو»، في تقريره تطورات التقارب المصري التركي الذي شهد تحولات لافتة خلال أعوام 2024 و2025 و2026، موضحًا أن العلاقة بين القاهرة وأنقرة تحمل قراءتين متنافستين؛ الأولى تربط التقارب بالضغوط الراهنة مثل حرب غزة، والطموحات الإثيوبية في البحر الأحمر، والأزمات الاقتصادية التي دفعت البلدين إلى إعادة حساباتهما، بينما ترى القراءة الثانية أن هناك نمطًا تاريخيًا أعمق يحكم العلاقة بين الطرفين منذ مواجهة الأساطيل العثمانية والمملوكية للتوسع البرتغالي في البحر الأحمر قبل خمسة قرون.

 

وأوضح في تقريره الذي نشره الموقع أن فهم هذا المسار التاريخي يفسر سبب انتقال التقارب الحالي من استعادة العلاقات الدبلوماسية إلى التعاون في تطوير المقاتلات والطائرات العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة، لكنه يكشف في الوقت ذاته هشاشة هذا التقارب، إذ إن العوامل التاريخية نفسها التي دفعت القاهرة وإسطنبول إلى التعاون سابقًا قادتهما في مراحل أخرى إلى الصدام.

 

جذور تاريخية تجمع القاهرة وأنقرة أمام التهديدات الخارجية

 

 

بدأت العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة وإسطنبول في سياق مواجهة التهديدات البحرية خلال القرن السادس عشر، عندما هدد التوسع البرتغالي في المحيط الهندي طرق تجارة التوابل التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا لتمويل مصر المملوكية. وأرسلت القاهرة أساطيل بحرية لمواجهة التقدم البرتغالي وحماية الممرات البحرية المؤدية إلى الجزيرة العربية بالتعاون مع حلفاء في منطقة غوجارات.

 

وبعد سيطرة العثمانيين على مصر عام 1517، ورثت إسطنبول هذا الدور، ومدت نفوذها على الساحل الإفريقي عبر ولاية الحبشة عام 1555، كما عززت سيطرتها على موانئ استراتيجية مثل مصوع وزيلع وبربرة لمواجهة النفوذ البرتغالي.

 

وكان الحفاظ على مضيق باب المندب يخدم هدفين أساسيين، هما حماية الحجاز من الهجمات البحرية وتأمين العائدات التجارية التي دعمت الطموحات الإمبراطورية. ويشير التقرير إلى أن هذا النموذج التاريخي يعكس نمطًا متكررًا، حيث تتقارب القاهرة وإسطنبول عندما يظهر تهديد خارجي يهدد مصالحهما المشتركة.

 

لكن هذا النموذج انهار عندما أصبحت مصر نفسها قوة منافسة. فقد أدى مشروع محمد علي باشا لتحديث الجيش المصري إلى بناء قوة عسكرية تمكنت من تحدي الدولة العثمانية، حيث قاد ابنه إبراهيم باشا حملات عسكرية في بلاد الشام عام 1831، وسيطر على دمشق وحلب وحمص قبل التقدم نحو الأناضول.

 

وفي معركة قونية عام 1832، تمكن الجيش المصري من هزيمة القوات العثمانية وفتح الطريق نحو القسطنطينية، قبل أن توقف تدخلات روسيا والضغوط الأوروبية هذا التوسع. وأدى اتفاق كوتاهية إلى احتفاظ الدولة العثمانية ببقائها مقابل منح مصر السيطرة على سوريا.

 

من الحرب الباردة إلى المصالحة الاستراتيجية الحديثة

 

 

شهد القرن العشرون مرحلة من الفتور بين الدولتين بدلًا من المواجهة المباشرة، إذ انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، وسعت إلى مواجهة النفوذ السوفيتي عبر تحالفات إقليمية مثل حلف بغداد عام 1955، بينما تبنى الديكتاتور جمال عبد الناصر سياسة عدم الانحياز والقومية العربية التي نظرت بحذر إلى التقارب التركي.

 

وتعمقت الخلافات خلال أزمة سوريا عام 1957، ثم زادت المسافة السياسية بعد توجه أنور السادات نحو الولايات المتحدة وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، في وقت شهدت فيه السياسة التركية صعودًا للتيارات الإسلامية.

 

وخلال عهد حسني مبارك، استقرت العلاقات في إطار ما وصفه محللون بـ«السلام البارد»، حيث استمر التعاون التجاري والدبلوماسي دون بناء شراكة استراتيجية حقيقية. وظل القاسم المشترك بين البلدين هو الطموح الإقليمي المتوازي، في ظل غياب التهديد البحري الخارجي الذي كان يدفعهما سابقًا إلى التعاون.

 

وتغيرت طبيعة الخلافات بعد ثورات الربيع العربي، عندما تحولت المنافسة بين القاهرة وأنقرة إلى صراع أيديولوجي وجغرافي. فبعد الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي عام 2013، انتقدت تركيا الخطوة ووفرت ملاذًا لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين، كما استضافت منصات إعلامية معارضة للحكومة المصرية.

 

وامتد التنافس إلى ليبيا، حيث دعمت مصر قوات خليفة حفتر في الشرق، بينما دعمت تركيا حكومة طرابلس، وهو ما دفع البلدين إلى حافة مواجهة مباشرة عام 2020. كما تصادمت مصالحهما في شرق المتوسط بسبب اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز.

 

التعاون العسكري والبحر الأحمر يعيدان تشكيل العلاقة

 

 

بدأ مسار التقارب بين القاهرة وأنقرة يتسارع خلال منتصف العقد الحالي بفعل الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية، خصوصًا الحرب في غزة وتصاعد التحديات الأمنية في المنطقة. ومثلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024، الأولى له منذ 12 عامًا، نقطة تحول رئيسية، قبل أن يرد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بزيارة أنقرة في سبتمبر من العام نفسه.

 

وتعزز التعاون خلال اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في فبراير 2026، الذي أسفر عن إعلان مشترك واتفاقية إطار عسكري ومذكرات تفاهم في مجالات التجارة والصحة والزراعة.

 

وارتفع حجم التجارة الثنائية من 6.5 مليار دولار عام 2023 إلى أكثر من 8 مليارات دولار عام 2024، مع استهداف البلدين الوصول إلى 15 مليار دولار خلال خمس سنوات.

 

ولم يقتصر التقارب على الجانب السياسي، إذ استأنفت القوات البحرية المصرية والتركية تدريبات «بحر الصداقة» عام 2025 بعد توقف دام 13 عامًا، كما وقعت وزارة الدفاع المصرية اتفاقية دفاعية بقيمة 350 مليون دولار مع مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية، تضمنت تصدير منظومة الدفاع الجوي القريب «تولغا» وإنشاء مصنع مشترك لإنتاج ذخائر المدفعية.

 

وفي يونيو 2026، شاركت القوات الجوية المصرية في تدريب «النسر الأناضولي» داخل تركيا، كما شاركت القوات الخاصة في تدريبات «النسر الذهبي». ووصل التعاون إلى مرحلة جديدة في يوليو 2026، عندما وقع وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر خطابات نوايا بشأن التعاون العسكري والصناعات الدفاعية، وسط حديث تركي عن مباحثات أولية لمشاركة مصر في تطوير المقاتلة التركية من الجيل الخامس «KAAN».

 

ويرى التقرير أن البعد المتعلق بالبحر الأحمر يعكس بصورة كبيرة نمط التعاون التاريخي بين البلدين، إذ تتعامل القاهرة وأنقرة حاليًا مع التحديات البحرية والإقليمية باعتبارها مصالح مشتركة.

 

وجاء ذلك بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024 للحصول على منفذ بحري قرب بربرة، وهو ما اعتبرته الصومال انتهاكًا لسيادتها، بينما رأت مصر أنه امتداد للتوترات المرتبطة بسد النهضة.

 

وردت القاهرة باتفاقية دفاعية ونشر قوات في الصومال خلال أغسطس 2024، بينما عززت تركيا تعاونها العسكري مع مقديشو، بما في ذلك تدريب البحرية الصومالية، لتقليص الطموحات الإثيوبية للوصول إلى البحر.

 

ويؤكد التقرير أن التعاون المصري التركي الحالي يختلف عن مراحل التقارب السابقة، لأنه انتقل من تبادل التصريحات السياسية إلى نقل قدرات صناعية وتكنولوجية، مثل مصانع الذخائر المشتركة وتطوير الطائرات المسيّرة والمباحثات المتعلقة بالمقاتلة «KAAN».

 

لكن الكاتب يحذر من أن التاريخ يحمل درسًا مهمًا، إذ إن التحالف المصري العثماني ضد البرتغال استمر فقط طالما ظل التهديد الخارجي قائمًا، وانتهى عندما أصبحت مصر قوة قادرة على تحدي إسطنبول بدلًا من التحالف معها.

 

ويخلص التقرير إلى أن القاهرة وأنقرة تراهنان حاليًا على أن المصالح المشتركة في عالم متعدد الأقطاب تتجاوز ذكريات الخلافات القديمة، إلا أن أي مواجهة إقليمية واسعة، خاصة المرتبطة بإيران وإسرائيل، قد تختبر مدى عمق هذا التحالف وقدرته على التحول من تعاون سياسي وعسكري إلى شراكة استراتيجية حقيقية.

 

 

https://hornreview.org/2026/07/29/the-long-return-of-cairo-and-ankara/